نقد فني لفيلم النمر والأنثى وللأدوار الجريئة

كتب فراس الور
فيلم درامي كبير مدة دقائق عرضه 180 دقيقة من انتاج سنة 1987 و هو من اخراج الاستاذ سمير سيف و من انتاج المنتج الراحل واصف فايز، و هو من بطولة الفنان الكبير عادل إمام و الفنانة الكبيرة اثار الحكيم و يجمع عددا كبير و لامع من نجوم الشاشة المقتديرين و الذين لهم ارشيف فني لا يُسْتَهَان به إطلاقا، ربما سأكون غير تقليدي بهذا النقد الفني حيث سأجمع بين العديد من نقاط هذا الفلم الإيجابية و السلبية...و لكن في واقع الأمر قد يكون هذا الفلم محطة درامية و فنية هامة جدا للفنانة اثار الحكيم حيث ابدعت بما قدمت و انفردت بدور البطولة بصورة مطلقة في هذا العمل مع فنان بحجم عادل و إمام...بل ربما لم يلاحظ جمهوره الكبير أن هذا الفلم ربما يكون الاقوى دراميا لهذا الفنان الكبير على الإطلاق بسيرته الفنية التي حازت بها الكوميدية على تسعين بالمئة مما قدم، و ساشرح بصورة دقيقة أدوار هاذين الفنانين الكبيرين بالاسطر التالية، 
الفنان عادل إمام هنا كَسَرَ القاعدة الكوميدية الذهبية التي كانت طريقه الى النجومية منذ نعومة اضفاره في السينما، فانغمس بدور فني عميق و كبير لضابط شرطة اسمه (وحيد فهمي) جدي الشخصية يمتاز بطلة غير ودودة إطلاقا، فطبيعة مهنته بملاحقة الخارجين عن القانون و الإرهابيين و تجار المخدرات صنعت منه رجل قلبه جاف خالي من العواطف و الأحاسيس جدي الطبع و بعيدا عن جنس النساء اللطيف...لدرجة أنه لم يفلح لقترة طويلة من شبابه بإيجاد عروس ليلبي طلب أهله بإنشاء أسرة و الإستقرار، و هنا حدث التباين الملحوط بين خط الكوميدية و الشخصيات الكوميدية اللطيفة التي قدمها عادل إمام قبل هذا الفلم لفترة طويلة من الوقت و على سبيل المثال لا الحصر مثل فلم الأفوكاتو و الهلفوت و رمضان فوق بركان و المتسول حيث لم يكسرها إلا في ما ندر في أفلام لا يتعدى عددها اصابع اليد الواحدة...و بين هذا الدور الكبير الذي أبرع و أبدع بتقمسه و تقديمه لجمهوره العربي الكبير، 
في حقيقة الأمر و بالمقابل لا يُسْتَهَانْ بما قدمت الفنانة  اثار الحكيم بهذا الفلم ايضا، فقدمت دور جريئ جدا حيث أدته بصورة مُقْنِعَة و بمهنية و حرفية عالية، فالأدوار المتنوعة و لكن المتوازية التي قدمتهم بأفلامها سابقا في كفة و هذا الدور في كفة ثانية لعدة أسباب ، فالفنانة التي تؤدي دور إمرأة الليل (عاهرة) غالبا ما تتعرض للنقد بصورة كبيرة بسبب تواتر مناظر جريئة مع وجود الشخصية في الفلم، و لكن هنا قدم لنا المخرج و الفنانة اثار هذا الدور بصورة مقبولة و مميزة حيث لم نرى أية مناظر جريئة للفنانة اثار إطلاقا، و يعود هذا لسببين رئيسين، فالأول أنه عندما تبدأ مشاهد هذا الفلم تكون (نعيمة فرغلي) تائبة عن ممشى الحرام، فلا نجد حتى أية عملية فلاش باك (flash back) لماضيها المشبوه إطلاقا لكي تؤدي اية مناظر جريئة في الفلم مما أضفى نكهة مميزة للدور و فراده هامة، حيث إذا قارنا بين هذا الدور و هذه الميزة مع ما قدمته الفنانة يسرا (و أكتب ما أكتب من باب النقد البناء) حينما أدت دور إمرأة الليل بأكثر من فلم و على سبيل المثال لا الحصر في فلم درب الهوى و فلم طيور الظلام و الإرهاب و الكباب و فلم دم الغزال سنرى انها قدمت هذا الدور بصورة شبه واقعية من شدة ملكتها التمثيلية و قوة موهبتها، و لكنها كررته بأرشيفها الفني أكثر من اللازم كما أسلفت مما جعل النقاد يوجهون نقد ملتهب لها كثيرا، فقد كررته لأسباب عبثية لا داعي لها، فالفنانة يسرا فنانة تتمتع بِمَلَكَة فنية و موهبة قوية فلا داعي لتكرار هذه اللأأدوار الجريئة بأفلامها لبلوغ الشهرة إطلاقا و حتى للظهور مع فنانين كبار، و حتى لو كانت الشهرة هدفها الأدوار الجريئة لها حد لتتوقف عندها فهذا الدور بالتحديد يجب أن يقدم بصورة حذرة جدا فلا أعلم من كانت تستشير بالضبط حينما كانت تقبل بمثل هذه اللأدوار فلم يكن اختيار تكرير هذا الدور مُوَفًق إطلاقا، الفنانة يسرا ليست الوحيدة التي قدمت هذه الأدوار الجريئة بل هنالك عددا كبيرا من الفنانات الكبيرة في مصر و الغرب قدمن هذه الأدوار و على سبيل المثال لا الحصر الفنانة الأمريكية جوليا روبرتس الحائزة على عدة جوائز عالمية قدمت هذا الدور الجريئ في فلم كبير لها بإسم “Pretty Woman” ، و لكن تكرارها يؤذي الفنان فيجب ان لا يضع نفسه بقالب فني معين بل يجب التنوع بما يقدم من أدوار، و أما السبب الثاني بما يتعلق بشخصية نعيمة فهو شيئ لاحظته عن طبيعة دورها و الطريقة عموما التي قدم كادر الفلم بها هذا الدور للجمهور، فالسبب الثاني بحقيقته هو اجتهاد شخصي مني كأديب فيكمن بأن شخصية نعيمة تنحدر من حي فقير جدا و تتمتع بسلوك بربري و ثقافة بسيطة جدا مما فتح المجال لتقديم العديد من الإيماءات الجنسية في الفلم من دون اللجوء الى مناظر التعري التي غالبا ما تكسر تقاليدنا الشرقية، هنالك ثقافات بالغرب تتقبل هذه المناظر الجريئة فهي ليست خطئا فنيا و سينمائيا و لكن يجب أن تقدم بحذر في مجتمعنا العربي المحافظ، 

هنالك ميزة آخرى لدور الفنانة أثار فهي ببراعة تامة تقدم دور مزدوج في هذا الفلم، فشخصية نعيمة البسيطة فجأة تجد نفسها أمام أمر يجبرها على لعب دور تخفي أمني للدخول في محيط أسرة شديدة البئس تتاجر بسموم المخدرات الكريهة، فغالبا الأدوار المزدوجة تتطلب قدرة و موهبة مميزة و أبداع في تقديم الشخصية للجمهور و هذه الميزات لا نجدها إلا بالفنانين المميزين لذلك نرى الفنانة اثار في دورين كبيرين في قلب الفلم...دور نعيمة فرغلي إمرأة الليل التائبة و دور ياسيمن النقاش ابنة تاجر المخدرات، و في حقيقة الأمر لا يسعني إلا و أن اعبر كناقد فني عن اعجابي المطلق بما قدمته في هذين الدورين، حيث في ايامي المدرسية و أنا في المدرسة الأمريكية في الكويت أخذت العديد من دروس الدراما و قدمت العديد من الأعمال المسرحية، و اشتركت بمسرحية كبيرة حيث قدمت دور مزدوج بها، و شعرت كم تقديم مثل هذه الأدوار يتطلب مجهود و تعب و حرفية عالية امام الجمهور، 
الفلم شيق جدا و أحداثه شيقة جدا للذي يحب افلام البوليسية و الأكشن، فبإختصار لأنه فلم درامي طويل و أحدثه كثيرة يتم تكليف الضابط وحيد من قبل الضابط المسؤول عنه اللواء حسني (الراحل يوسف داود) بإيعاز من رئيس الجمهورية بتضيق الخناق على عصابات تجارة المخدرات، فيختاروا عصابة خرج رئيسها للتو من السجن و اسمه عبده القماش (الراحل أنور اسماعيل) للقبض عليه و على معاونيه متلبسين بالتهمة، فيطلبوا من نعيمة فرغلي بسبب وجود تشابه كبير بالشكل بينها و بين ابنة مفقوده لعبده بإسم ياسيمن لعب شخصيتها لمحاولة اقناعه بأنها ابنته لكسب ثقته، و تطلب الشرطة من الضابط وحيد لعب دور زوج ياسمين، فينجحا بصورة كبيرة و يخترقا صفوف هذه العصابة ليكتشفا أسرار كثيرا عنها، و مع مرور الوقت و بإتفاق مع اللواء حسني يحيك وحيد كمين كبير لها و لكن في لحظات التنفيذ يفشل هذا الكمين بسبب مفاجئة غير متوقعة ليشعر اللواء حسني بأن وحيد قد اخفق بمهمته، فَيُنْزِلْ عليه التوبيخ الشديد، و يحاول اللواء حسني اجبار وحيد على التخلي عن العملية بالكامل و لكن يُصِرْ حينها وحيد بأنه هنالك فرصة حقيقية للإيقاع بافراد العصابة، فيقرر البقاء على الرغم من المخاطر الكبيرة التي تحدق به، ولكن نتيجة لأحداث غير متوقعة تنكشف هوية وحيد و نعيمة أمام العصابة حينما يزور سيد (الراحل يوسف عيد) طليق نعيمة فيلا عبده ليسأل عنها بهدف اعادتها لعصمته، فتتنبه لهذا اللأمر شقيقة عبده عدلات (الفنانة عايدة عبدالعزيز) و تقرر إبلاغ شقيقها بالأمر، و تقرر الإنتقام من وحيد فتبدأ بوضع الهروين في فنجان قهوته اليومية، و تبدا هنا الأحداث القاتلة بحياة وحيد جيث يقع ببراثن العصابة و ببراثن الإدمان المرير، و بالرغم من أن احداث الفلم تكشف لنا بداية قصة حب جوهرية بين وحيد و نعيمة إلا أن إدمان وحيد يكون حدث وخيم في حياة هذه العلاقة و لِيُعيقْ بصورة مأسوية مأمورية التخفي لوحيد، فيسيطر الإدمان على وحيد بسرعة كبيرة لتجبره العصابة بعدها بمغاردة منزله مع نعيمة و ابنها الطفل تامر (الفنان ماهر عصام) بسيارة غير صالحة للقيادة، 
تنجوا هذه الاسرة الصغيرة من حادثة اصطدام مؤكدة بمعجزة، و تقيم الشرطة لاقناع العصابة بممات وحيد و نعيمة بيت عزاء لوحيد، و لكن يقرر وحيد بعدها الإنسحاب من هذه المأمورية لفترة من الوقت لمعالجة حالة الإدمان التي يعاني منها، فنراه يقاسي الأَمًرَيْن و الأوجاع الكبيرة من ادمان الهروين البغيض، و نرى بهذه الفترة العصيبة من حياته نعيمة واقفة الى جانبه تسانده بصورة كبيرة، فتكتشف كم ان حب وحيد ياسرها في هذه المرحلة و يدفعها لمساعدته للخروج من فكي وحش الإدمان الذي ابتدأ يهدم صحته كثيرا و بصورة جذرية، و تتحمل نعيمة من وحيد الضرب و الصفع و الإهانات في وقت تشتد رغبات التعاطي عنده حينما تخفي الهروين من أمامه، و يساعدها بهذه الظروف الصعبة الصول طلبة (الراحل أحمد عقل)، تمضي الايام على هذه الاسرة المعذبة و بعد معاناة مضنية يرى وحيد الشفاء على يدي نعيمة حبيبته،  فيتأكد بأنها مخلصة له و و يشعر بأنها نعمة كبرى بحياته، و بعد مصارحة لطيفة في فترة النقاهة يأخذ وحيد القرار بالعودة للعصابة، و الجميل هنا بعلاقة نعيمة به انها رغم حزنها من هذا القرار إلا أنها تقف الى جانبه و لا تتخلى عنه الى المنتهى، و نرى هنا اسراره بالإيقاع بالعصابة بعد كمين ناجح لينتهي هذا الفلم بنهاية سعيدة حيث ينتصر القانون على المجرمين الفارين من يد العدالة، و يجتمع وحيد مع نعيمة و ابنها و يقررا الزواج، 
أما فيما يختص بجوانبه السبلية فكنت أود أن ارى نضوج اخراجي أكبر لبعض مشاهد القصة، فهذه القصة عبارة عن ملحمة و شعرت بأن العديد من مشاهدها تمت معالجتها بصورة سهلة للغاية، فلم ارى نضوج بنص السيناريو و بالإخراج ايضا بما يختص بدور نعيمة و هي تتقمص شخصية ياسمين، فعلى سبيل المثال لا الحصر بعد أن يتم ضرب عبده من قبل عصابة منافسة له يأخذه وحيد الى بيته ليضمد جروحه، فنراه بسرعة يقتنع بأن ياسمين ابنته حيث يقدم لها نفسه بأنه والدها...فنرى مشهد ساذج جدا لا تتمتع به ياسمين بعنصر المفاجئة من كلام عبده و نرى هذا الأمر لا يلفت انتباه عبده، ثم فجأة تسرع ياسمين الى ابيها و هي تعبر عن سعادته بلقائه...لا يجب أن ننسى أننا نشاهد فلم دراميا و إذا لم تكن مشاهده متقنة الإخراج فسيشعر المشاهد بالنفور من سذاجة اخراج المشاهد، فلا نريد في وسط ملحمة كبيرة مثل النمر و الأنثى أن نرى هذه المشاهد الدرمية تحاك خلف الكاميرا بصورة سهلة، 
تتكرر هذه المشاهد الضعيفة عندما نرى عدلات و عبده يمارسان الرأفة بحق نعيمة بالرغم من أنهما اكتشفا أنها كانت تخدعم مع وحيد، فنراهم يخرجا عن خشونتهم كتجار مخدرات ليمارسوا الرحمة في تباين غير منطقي و لا يتماشى مع دورهم كتجار للمخدارت، الذي يقتل الناس بالسموم و يهلك الضابط وحيد بهذه الصورة الوحشية من غير المنطقي أن يمارس الرحمة مع اي أحد، فهذه الأمور كنت اتوقع من كادر الفلم معالجتها بصورة متقنة أكثر، 
بالرغم من وجود هذه النقاط الضعيفة استمتعت بالفلم جدا و أظن أنها لا تؤثر على أجوائه الدرامية الشيقة كثيرا، فللذي يريد مشاهدة عمل ممتع و مسلي و متقن بصورة مقبولة جدا للناس ستكون هذه الرواية خير صديق لها...و بالنهاية الدرامة تقبل الأخطاء لأن "الحياة هي الدرامة و الدرامة هي الحياة، هما توأم و الفرق الوحيد بينهما أن الحياة حقيقة أما الدرامة فهي مرآة للحياة"..                

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق